أحمد بن محمد ابن عربشاه
304
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
طائعا مختارا ليس إكراها ولا إجبارا ؛ أنه لا يسلك مع الجرذان إلا طريق الأمان والإحسان ، وأنه لا ينوء إليه بقصد سوء بحيث تتأكد المحبة وتزداد الصداقة والصحبة . فرجع الجرذان وهو بهذه الحركة جذلان ، وصار كل يوم يأتي أبا غزوان بما التزم به من الغذاء والعشاء كل صباح وعشاء ؛ إلى أن صح القط واستوى وسلمت خلوات بدنه من الخو والخوا « 1 » ، وصارت المحبة تنعقد كل يوم عقدا مجددا ، ويزداد كل منهما في الآخر محبة وتوددا . وكان لهذا القط ديك وهو صاحب قديم نديم ، كلّ منهما يأنس بصاحبه ويحفظ خاطره ، بمراعاة جانبه ، فحصل للديك تعويق عن زيارة الصديق ، فغاب عنه مدة ، وكل منهما للفراق في شدة ، فلم يتفق لهما لقاء إلا وقد حصل للقط الشفاء ، فسأل الديك صاحبه بما ذا صارت علته ذاهبة ، وذاك الهزال بأي شيء زال . فأخبره بأحوال الجرذ أبى جوال ، وأنهى أمره من الأول إلى الآخر وبالغ في الشكر في الباطن والظاهر ، وإنه كان سبب حياته ونجاته من مخاليب مهلكاته ، وأنه لم يكن مثله في الأصحاب ، وقد صار أعز الأصدقاء والأحباب ، فغار الديك على الصاحب القديم واختشى أن يفسد ما بينهما المفسد الذميم ، فضحك مستغربا وصفق بجناحيه متعجبا . فقال له : مم تضحك ؟ فقال : من سلامة باطنك وانقيادك لمداهنك ، وحسن صنائعك مع المنافق مخادعك ، ومكارم أخلاقك مع ناقض لميثاقك ، وإصغائك لهذا الخبيث بمشوه الكلام ومموه الحديث ، ومن يأمن لهذا البرم « 2 » الواجب القتل في الحلّ والحرم ، المفسد الفاسق المؤذى المنافق الذي خدعك حتى أمن على نفسه ، واستطرق بذلك التمكن من أذاه ونجسه ، فتسلط في الأذى كما يختار ، وانهمك في الشر آمنا منك البوار ؛ كل ذلك بسببك
--> ( 1 ) الجوع . ( 2 ) الداهية اللئيم .